محمد عزة دروزة

170

التفسير الحديث

من الأنعام ومطالبتهم بما عندهم من برهان وعلم على أن اللَّه تعالى هو الذي حرّم ما يحرّمون وأحلّ ما يحلَّون . وتنديد استطرادي بالذين يفترون على اللَّه الكذب في ذلك . ليضلوا به الناس وإيذان بأن اللَّه لا يمكن أن يسعد ويوفق الظالمين الذين يفعلون ذلك وتقرير بأنه ليس فيما أوحى اللَّه شيء محرم على الآكلين إلَّا أربعة : وهي الميت حتف أنفه والدم السائل ولحم الخنزير وما ذبح باسم غير اللَّه . مستثنى من ذلك حالة الاضطرار التي يغفرها اللَّه على شرط عدم تجاوز الضرورة وعدم التوسع في الاستباحة ظلما وعدوانا على حدود اللَّه المرسومة ، ومعللا بكون تحريم الثلاثة الأولى ناشئا من نجاستها وخبثها ، وتحريم الرابعة ناشئا مما انطوى فيه من الفسق أي الشرك مع اللَّه وذكر اسم الشركاء على الذبيحة . وأسلوب الآيات الأولى أسلوب تقريع وتحدّ وإنكار من جهة ، وفيه إلزام وإفحام من جهة أخرى ، فالذكور والإناث من الأزواج الثمانية مشتركة في إنتاج النسل من ذكر وأنثى وهذا النسل لا يلبث أن يشترك في إنتاج نسل آخر من ذكر وأنثى ، فكيف يمكن أن يكون نتاج ما هو حل محرما أو نتاج ما هو محرم حلالا ، أو كيف يمكن أن يكون بعض نتاج ما هو حل محرما وبعضه حلالا أو بعض نتاج ما هو محرم حلالا ، وبعضه محرما ؟ . وصيغة الآيات وأسلوبها يدلان على أنها في صدد حكاية موقف من مواقف الجدل والمناظرة بين النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمشركين في مواضيع تقاليدهم الجاهلية . ويتبادر لنا أن هذه الحكاية لا تنحصر في هذه الآيات بل تشمل الآيات السابقة لها أيضا ابتداء من الآية [ 136 ] لما بين موضوعها وموضوع هذه الآيات من ارتباط وثيق . ومضمون الآيات هنا يدل أيضا على أن العرب كانوا يعتبرون هذه التقاليد التحليلية التحريمية تقاليد دينية أولا ، وأنها من شرائع اللَّه الأعظم ثانيا . وقد قررت كذبهم وافتراءهم على اللَّه ونددت بهم أشد تنديد لأنهم يقولون ويفعلون بغير علم ولا برهان .